الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

222

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

فلا إشكال في حصول النهي عنها على الوجه المذكور من غير أن يكون هناك نهيان بل نهي واحد متعلق بالمنهي عنه بالذات وبما يلازمه بالعرض بعين النهي المتعلق بذلك الشيء ولا ربط له بما هو المتنازع فيه في المقام وفي بحث المقدمة كما مر القول فيه فالأولى تفسير الضد هنا بما ينافي المأمور به بالذات سواء كان يناقضه كما في الضد العام بمعنى الترك فيقابله تقابل الإيجاب والسلب أو كان مضادا له ملازما لنقيضه كما في سائر الأضداد الخاصة المنافية للمأمور به بالذات الملازمة لما يناقضه أعني الترك وقد يعد منافاتها للمأمور به حينئذ عرضية وهو غير متجه لوضوح كون المنافاة بين الضدين ذاتية ولذا يعد تقابل التضاد من أقسام التقابل من غير أن يرجع إلى تقابل الإيجاب والسلب وكان القائل المذكور يسلم ذلك وما ذكره مبني على المسامحة في التعبير وإلا فالفرق بين الضد ولوازمه أمر غني عن البيان هذا وأما الضد الخاص فقد يطلق على كل من الأفعال الوجودية المنافية للمأمور به بالذات والوجه في إطلاق الخاص عليها ظاهر وقد يطلق على المفهوم الجامع بين تلك الأضداد أعني الفعل الوجودي الخاص الذي لا يجامع المأمور به بالذات وهو حينئذ عنوان لكل من تلك الأضداد وآلة لملاحظتها بخصوصياتها على وجه كلي والنهي في الحقيقة إنما يتعلق بتلك الجزئيات وإن لوحظت بالعنوان العام ولا منافاة وهو بهذا المعنى وإن كان شاملا بجميع الأضداد الخاصة فربما يتوهم كون المناسب عده ضدا عاما نظرا إلى ذلك لكن لما كانت الخصوصية ملحوظة في المفهوم المذكور على وجه الإجمال بل كان المنهي عنه في الحقيقة هو كل واحد من الأضداد الخاصة وكان ذلك العنوان العام آلة لملاحظتها مع تصحيح عنده خاصا وقد يؤخذ المعنى المذكور بإسقاط ملاحظة الخصوصية فيقال إنه الفعل الوجودي الذي لا يجامع المأمور به بالذات فيكون مفاده حينئذ أمرا كليا منطبقا على الجزئيات الخاصة من غير أن يكون شيء من تلك الخصوصيات مأخوذة في مفهوم الضد وهو بهذا الاعتبار أيضا ضد خاص وإن كان أقرب إلى العموم من الوجه السابق لتعلق النهي أيضا بتلك الجزئيات الخاصة من حيث انطباق ذلك عليها وإن لم يكن شيء من تلك الخصوصيات متعلقة للنهي بملاحظة خصوصياتها بل إنما يتعلق النهي بها من جهة كونها فعلا وجوديا مضادا للمأمور به فهي أضداد خاصة بتعلق النهي بها من جهة كونها من جزئيات المنهي عنه فلا وجه أيضا لإدراج ذلك في الضد العام كيف ولا يتعلق النهي في الضد العام بشيء من جزئيات الأفعال وإنما يتعلق بأمر عام يقارن تلك الجزئيات حسبما نشير إليه إن شاء الله والظاهر أن القائل باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص إنما يعني به أحد الوجهين المذكورين إذ لا يعقل القول بدلالة الأمر على النهي عن خصوص كل من الأضداد الخاصة بعنوانه الخاص به قوله وأما العام فقد يطلق إلى آخره يمكن أن يلحظ الأضداد الوجودية حينئذ على كل من الوجهين المتقدمين فتكون خصوصية الضد الخاص ملحوظة في أحدها على أحد ذينك الوجهين غير ملحوظة في الآخر على حسبما مر وعلى كل منهما فأحد الأضداد إما أن يلحظ على وجه يعتبر فيه الوحدة فيكون المنهي عنه هو واحدا منها دون ما يزيد عليه وإما أن يلحظ مع وجه لا بشرط فيكون النهي عن أحدها نهيا عن جميع آحادها فيكون بمنزلة النكرة في سياق النفي ومع جميع التقادير فليس المنهي عنه إلا الضّد الخاص إلا أنه مع دلالته على الاستغراق يكون المنهي عنه جميع الأضداد الخاصة ومع عدمها يكون ضدا خاصّا لها من غير تعيين وكان المقصود به النهي عن إيقاع ضد مكان الواجب أي ضد كان منها فلا يعم النهي كلا من ضدي المأمور به لو أمكن الإتيان بهما في زمان واحد وإنما المحرم واحد منهما قوله وقد يطلق ويراد به الترك هذا هو المعروف في إطلاق الضد العام وإنما أطلق عليه الضد لعدم إمكان اجتماعه مع المأمور به ولا ينافيه كونه عدميّا إذ اعتبار كون الضدّ وجوديّا من اصطلاح أرباب المعقول ولا ربط له بإطلاق علماء الأصول إذا أطلق عليه لفظ الضد من جهة مقارنته للأضداد الخاصة فيكون الإطلاق المذكور مجازا من جهة المجاورة وأما كونه عاما فظاهر لمقارنته لكل من الأضداد الوجودية أو لشموله ما يقارن الأضداد الخاصة وما لا يقارنها بناء على إمكان خلو المكلف عن الأفعال أو لكون المنهي عنه حينئذ أمرا عامّا لا يقتضي تعلق النهي بشيء من الأضداد الخاصة كما يقضي به تعلق النهي بالضد الخاص على أحد الوجوه المتقدمة ونحو ذلك إطلاقه على الكف عن فعل المأمور به فهو أيضا فعل عام يغاير كلا من الأضداد الخاصة ويقارنها والقائل بكون متعلق النهي هو الكف دون الترك ينبغي أن يعتبر الضد العام في المقام الكف المذكورة وحينئذ فإطلاق الضد عليه ظاهر بالنظر إلى الاصطلاح أيضا قوله وعلى هذا يدل الأمر على المنهي عنه بالتضمن إلى آخره وذلك لكون مدلول الصيغة طلب الفعل مع المنع من الترك فتكون دلالتها على المنع من الترك بالتضمن وسيجيء تفصيل القول فيه إن شاء الله [ في وجوه تحرير محل النزاع . ] قوله واضطرب كلامهم في بيان محله اعلم أن الكلام في بيان محل النزاع في المقام يقع في أمور أحدها أن المراد بالنهي عن الضد الذي وقع الكلام في دلالة الأمر عليه هل هو النهي الأصلي أو التبعي وهل يراد به النهي النفسي والغيري فإنه كما ينقسم الواجب إلى أصلي وتبعي ونفسي وغيري كذلك الحرام ينقسم إلى الأقسام الأربعة المذكورة فما يتعلق غرض الشارع بعدمه في نفسه فهو حرام أصلي وما يتعلق غرضه بعدمه لأدائه إلى محرم آخر وأداء عدمه إلى واجب من غير أن يكون له مطلوبية مع قطع النظر عن ذلك فهو حرام غيري وما يكون متعلقا للخطاب على نحو ما مر في الواجب الأصلي فهو حرام أصلي وما يلزم حرمته من تعلق الخطاب بشيء آخر من غير أن يتعلق به أصالة فهو حرام تبعي وحينئذ نقول إنه على القول بكون الأمر بالشيء عين النهي عن ضده ليس هناك تكليفان صادران عن المكلف بل الحاصل هناك تكليف واحد يكون أمرا بالشيء وهو بعينه نهي عن ضده فمفاد وجوب الشيء عند هذا القائل هو حرمة ضده حسبما يأتي بيانه إن شاء الله وأما على القول بمغايرة الأمر بالشيء للنهي عن ضده واستلزامه له فمن البين التزام القائل المذكور حينئذ بحصول تكليفين يكون أحدهما ملزوما والآخر لازما له لكن لا بد من القول بكون أحدهما ملزوما والآخر لازما له لكن لا بد من القول بكون أحدهما نفسيا والآخر غيريا إذ لا يعقل القول بحصول تكليفين مستقلين في المقام بكون الأخذ بكل منهما مطلوبا في نفسه وفي حيال ذاته ليتفرع عليهما ثوابان على تقدير امتثالهما وعقابان وعلى فرض العصيان حسبما مر القول فيه في مقدمة الواجب والظاهر على هذا المذهب كون الخطاب به تبعيا لوضوح عدم دلالة الخطاب أصالة إلا على تكليف واحد هو إيجاب ذلك الشيء الحتمي وإنما يستفاد التكليف بالترك من جهة استلزامه له كما هو شأن الأحكام التبعية نعم لو قيل بحصول الدلالة اللفظية الالتزامية